فخر الدين الرازي

55

شرح الفخر الرازى على الاشارات

لقوام الهيولى مطلقا فمعناه أن الصورة الجرمية وما يصحبها من الصور النوعية وانما قال في الجملة لأنه يريد أن يبين في هذا الفصل أن الصورة الجرمية والصورة النوعية سواء كانت ممكنة الزوال أو ممتنعة الزوال فإنه ليس شيء منها البتة علة لوجود الهيولى وأما قوله ولو كانت سببا لقوامها مطلقا لسبقتها بالوجود معناه أن الصورة لو كانت علة لوجود الهيولى لكانت الصورة سابقة بالوجود على الهيولى وأما قوله ولكانت الأشياء التي هي علل لماهية الصورة ولكونها موجودة محصلة الوجود سابقة بالوجود على الهيولى معناه أن الصورة لو كانت سابقة بوجودها على وجود لهيولي لكانت الأشياء التي هي علل لماهية الصورة والأشياء التي هي علل لوجود الصورة تكون سابقة أيضا على وجود الهيولى لان السابق على السابق على الشيء يجب أن يكون سابقا على ذلك الشيء وأما قوله حتى يكون بعد ذلك عن وجود الصورة وجود الهيولى معناه أن الأشياء التي هي علل لماهية الصورة أو لوجودها لا بد وان يوجد حتى توجد الصورة بعد ذلك حتى يحصل عن وجود تلك الصورة وجود الهيولى وأما قوله على أنها معلولة من جنس ما لا تباين ذاته ذات العلة فإن كان أيضا ليس من أحواله المعلولة لماهيته فان اللوازم المعلولة قسمان وكل قسم منهما داخل في الوجود فاعلم أنه يجب علينا أن نفسر هذا الموضع أولا ثم نبين احتياج الحجة المذكورة في هذه الإشارة ثانيا فإنه قد يتوهم أنه إذا أسقط هذا القدر من المتن وضم ما قبله إلى ما بعده فإنه تتم هذه الحجة وعلى هذا التقدير يكون ذكره في أثناء هذه الحجة حشوا أما التفسير فهو أن المراد من قوله على أنها معلولة من جنس ما لا نباين ذاته ذات العلة هو أن الهيولى لو كانت معلولة للصورة لكانت من المعلولات التي لا تكون مباينة عن العلة فان المعلول قد يكون مباينا عن العلة مثل العالم عن الباري تعالى وقد يكون ملاقيا لها مثل مسئلتنا هذه فان الهيولى على تقدير أن تكون معلولة للصورة لم تكن مباينة عنها بل كانت محلا لها فإنه ليس بمستبعد أن يكون الشيء علة لوجود شيء فيكون حقيقة تلك العلة يقتضى أن تصير حالة في ذلك المعلول فتكون الصورة علة لوجود الهيولى وتكون أيضا علة لحكم آخر وهو صيرورته حالا في ذلك المحل لكن شرط وجود المحل فيكون اقتضاء الصورة لهذا الحكم موقوفا على صدور الهيولى عنها فهذا ما لم يثبت بالبرهان امتناعه وقوله وان كانت ليس من أحواله المعلولة لماهيته فان اللوازم المعلولة قسمان كل قسم منهما داخل في الوجود فالمراد منه أن الهيولى وان لم تكن من الأحوال المعلولة لماهية الصورة الا أنه لا يجب أن تكون مباينة عن ذات الصورة لان المعلولات المقارنة لعللها قد تكون معلولات لماهية العلة بمثل الفردية للثلاثة والزوجية للأربعة وقد يكون معلولات لوجودها مثل مسئلتنا هذه وأما بيان أن الشيخ لما ذا ذكر هذا الفصل في هذه الحجة فالذي عندي أن الحجة التي يريد الشيخ أن يذكر لا تعلق لها بهذا الكلام أصلا بل لو ضم ما قبل هذا الكلام إلى ما بعده لتمت الحجة بل هذا الكلام انما يصلح جوابا عن كلام يصلح أن يستدل به على أن الصورة ليست علة للهيولي وذلك الكلام هو أن يقال الصورة إذا كانت حالة في الهيولى والحال محتاج إلى المحل فالصورة محتاجة إلى الهيولى فيستحيل أن تكون الصورة علة لها لاستحالة الدور فيقال لهذا المستدل لم لا يجوز أن تكون الصورة علة لوجود الهيولى ثم إنه يجب حلولها في الهيولى لان الصورة تكون محتاجة إلى الهيولى بل لان الهيولى بعد وجودها تصير علة لثبوت صفة لتلك الصورة وهي صيرورتها حالة فيها ولان الصورة علة لحلولها في الهيولى ويكون اقتضاؤها لثبوت هذا الحكم لنفسها مشروطا بوجود الهيولى فتكون الهيولى مع كونها محلا للصورة معلولة لوجود الصورة الا أنها لا تكون مباينة عن ذات العلة فهذا الكلام يصلح جوابا عن هذا الاستدلال فلعل الشيخ انما أورده في هذا الموضع لأنه لما قال الصورة لو كانت علة لوجود الهيولى لكانت الأشياء التي هي علل الصورة سابقة أيضا على الهيولى حتى يكون بعد ذلك عن وجود الصورة وجرد الهيولى استشعر أن يقال له هاهنا إذا كانت الهيولى محلا للصورة فأي حاجة بك إلى هذه الحجة الدقيقة على أنها ليست معلولة للصورة بل يكفيك أن يقول الحال محتاج إلى المحل والمحتاج إلى الشيء لا يكون علة لذلك الشيء فلما توقع هذا الاعتراض هاهنا ذكر بما يبين به ضعف هذا الكلام ثم أنه عاد بعد ذلك إلى تنميم الحجة التي ابتدأ بها فهذا ما عندي في هذه المواضع وأما قوله قد علم أن التناهي والتشكل من الأمور التي لا توجد الصورة الجرمية في حد نفسها الا بهما أو معهما معناه ما مر في المقدمة الثالثة وأما قوله وقد تبين أن الهيولى سبب لذينك معناه ظاهر وهو المقدمة الرابعة وأما قوله فتصير الهيولى سببا من أسباب ما به أو معه يتم وجود الصورة السابقة بتتمة وجودها للهيولي هذا خلف معناه فيلزم أن يكون سببا للشيء الذي به أو معه يتم وجود الصورة التي هي بتمام وجودها سابقة على لهيولي لان الصورة إذا كانت علة للهيولي كانت سابقة بتمام وجودها على الهيولى وهذا محال لأنه يقتضى كون الهيولى سابقة على نفسها بمراتب وانه محال فقد انضح أنه لا تجوز أن تكون الصورة علة للهيولي مطلقا وثبت بهذه الحجة انها ليست واسطة على الاطلاق ولان الواسطة بين المعلول والعلة متقدمة في الوجود على المعلول وقد بينا أنه تمتنع أن تكون الصورة كذلك * ( تنبيه [ في سؤال على الفصل السابق ] ولعلك تقول إذا كانت الهيولى محتاجا إليها في أن يستوى للصورة وجود